أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
249
شرح مقامات الحريري
فتشعبت حينئذ آراء الجمع ، في تجويز النّصب والرّفع ، فقالت فرقة : رفعهما هو الصّواب ، وقالت طائفة : لا يجوز فيهما إلا الانتصاب ، واستبهم على آخرين الجواب ، واستعر بينهم الاصطخاب ، وذلك الواغل يبدي ابتسام ذي معرفة ، وإن لم يفه ببنت شفة ، حتّى إذا سكنت الزّماجر ، وصمت المزجور والزّاجر . قال : يا قوم ، أنا أنبّئكم بتأويله ، وأميّز صحيح القول من عليله ؛ إنه ليجوز رفع الوصلين ونصبهما ، والمغايرة في الإعراب بينهما ، وذلك بحسب اختلاف الإضمار ، وتقدير المحذوف في هذا المضمار . قال : ففرط من الجماعة إفراط في مماراته ، وانخراط إلى مباراته . * * * قوله : تشعبت ، تفرقت ، وشعبت الشيء : فرّقته وجمعته ، وهو من الأضداد . ورجل شعاب : يضم ويجمع . آراء : جمع رأي . واستبهم : استغلق . استعر : اتّقد . الاصطخاب : اختلاط الأصوات ، وقد صخب صخبا . بنت شفة : كلمة . [ مما ورد في اختلاف النحويين ] ومثل اختلاف هذه الجماعة على المعاني في رفع « وصل » وخفضه ، اختلاف أصحاب الواثق على جارية غنّت بحضرته : [ الكامل ] أظلوم إنّ مصابكم رجلا * أهدى السّلام تحية ظلم وذكر الحريري في الدرّة : أن أبا العباس المبرد ذكر أن أبا عثمان المازني قصده بعض أهل الذمة ليقرأ عليه كتاب سيبويه ، وبذل له مائة دينار ، فامتنع أبو عثمان من قبول بذله ، فقلت له : جعلت فداك ! أتترك هذه النفقة ، مع فاقتك وشدّة إضاقتك ؟ فقال : إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة كذا وكذا آية من كتاب اللّه تعالى ، ولست أرى أن أمكّن منه ذميّا ، غيرة على كتاب اللّه وحميّة له . قال : فاتفق أن غنّت جارية بحضرة الواثق بقول العرجي : أظلوم . . . البيت ، فاختلف من بالحضرة في إعراب « رجل » فمنهم من نصبه بأن على أنه اسمها ، ومنهم من رفعه على أنه خبرها ، والجارية مصرّة على أن شيخها أبا عثمان لقّنها إياه بالنصب ، فأمر الواثق بإحضاره . قال أبو عثمان : فلما مثلت بين يديه قال : ممّن الرجل ؟ قلت : من بني مازن ، قال : من أيّ الموازن ؟ أمازن تميم أم مازن قيس ؟ أم مازن أم ربيعة ؟ فقلت : من مازن ربيعة ، فكلّمني بكلام قومي وقال لي : باسمك ؟ يريد ما اسمك - وهم يقلبون الميم باء والباء ميما إذا كان في أول الأسماء - فكرهت أن أجيبه على لغة قومي لئلا أواجهه بالمكر ، فقلت : بكر يا أمير المؤمنين ، ففطن لما